القرطبي
122
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قال : فسهم ، فجاء الحوت يبصبص بذنبه ، فنودي الحوت : أيا حوت ! إنا لم نجعل لك يونس رزقا ، إنما جعلناك له حرزا ومسجدا . قال : فالتقمه الحوت من ذلك المكان حتى مر به إلى الأبلة ، ثم انطلق به حتى مر به على دجلة ، ثم انطلق حتى ألقاه في نينوى . حدثنا الحرث قال حدثنا الحسن قال حدثنا أبو هلال قال حدثنا شهر بن حوشب عن ابن عباس قال : إنما كانت رسالة يونس بعد ما نبذه الحوت ، واستدل هؤلاء بأن الرسول لا يخرج مغاضبا لربه ، فكان ما جرى منه قبل النبوة . وقال آخرون : كان ذلك منه بعد دعائه من أرسل إليهم إلى ما أمره الله بدعائهم إليه ، وتبليغه إياهم رسالة ربه ، ولكنه وعدهم نزول ما كان حذرهم من بأس الله في وقت وقته لهم ففارقهم إذ لم يتوبوا ولم يراجعوا طاعة الله ، فلما أظل القوم العذاب وغشيهم - كما قال الله تعالى في تنزيله - تابوا إلى الله ، فرفع الله العذاب عنهم ، وبلغ يونس سلامتهم وارتفاع العذاب الذي كان وعدهموه فغضب من ذلك وقال : وعدتهم وعدا فكذب وعدي . فذهب مغاضبا ربه وكره الرجوع إليهم ، وقد جربوا عليه الكذب ، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس . وقد مضى هذا في " الأنبياء " وهو الصحيح على ما يأتي عند قول تعالى : " وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون " [ الصافات : 147 ] . ولم ينصف يونس ، لأنه اسم أعجمي ولو كان عربيا لانصرف وإن كانت في أول الياء ، لأنه ليس في الأفعال يفعل كما أنك إذا سميت بيعفر صرفته ( 2 ) ، وإن سميت بيعفر لم تصرفه . الثانية - قوله تعالى : " إذا أبق " قال المبرد : أصل أبق تباعد ، ومنه غلام آبق . وقال غيره : إنما قيل ليونس أبق ، لأنه خرج بغير أمر الله عز وجل مستترا من الناس . " إلى الفلك المشحون " أي المملوء . " والفلك " يذكر ويؤنث ويكون واحدا وجمعا وقد تقدم . قال الترمذي الحكيم : سماه آبقا لأنه أبق عن العبودية ، وإنما العبودية ترك الهوى وبذل النفس عند أمور الله ، فلما لم يبذل النفس عندما اشتدت عليه العزمة من الملك حسب ما تقدم بيانه في [ الأنبياء ] ، وآثر هواه لزمه اسم الآبق ، وكانت عزمة الملك في أمر الله
--> ( 1 ) وذلك لأنه زال عنه شبه الفعل بخلاف يعفر فإنه على وزن يقتل فمنع الصرف . ( 2 ) راجع ج 2 ص 194 طبعة ثانية .